ام الفحم: المظاهرة التي لم تُسمع، والحراك الذي لم يُنسَ من يحدد قواعد اللعبة؟
من الحراك الفحماوي إلى الترويض السياسي
وجهة نظر :
سيرين جبارين
من يريد أن يحتج، لا يطرق باب السلطة طالبًا إذنًا. ومن يريد أن يُسمع، لا يطلب من الشرطة أن تضبط صوته ليبقى ضمن المدى المسموح. المظاهرة التي شهدتها أم الفحم بالأمس كانت محاولة أخرى لاستعادة صوتٍ ضاع، لكنها جاءت خافتة، بلا ارتطام، بلا أثر. لأن الاحتجاج الذي يتقدم إليه المرء بنموذج طلبٍ وترخيص، هو في جوهره احتجاجٌ تمت الموافقة عليه مُسبقًا، أي أنه ليس احتجاجًا، بل مشهدٌ من مسرحية ديمقراطية تُعرض على جمهورٍ مُحدد، في وقتٍ مُحدد، بإضاءةٍ مُحددة، وبمخرجٍ غير مرئيّ يجلس في مكتب حكوميّ ويقرر متى تُرفع الستارة ومتى تسقط.
لكن المشاهد التي لا تُنسى هي التي لا تُخرجها السلطة، بل تخرج عنها. وهذا ما كان عليه “الحراك الفحماوي الموحد”. لم يكن بحاجة إلى من يقرّر متى يبدأ، لأنه لم يكن يسأل متى يُسمح له أن يوجد. كان الحراك الفحماوي حدثًا سياسيًا بالمعنى العميق للكلمة، لأنه خلق واقعًا جديدًا ولم يكن مجرد تعليقٍ عليه. أما ما شهدناه أمس، فهو احتجاجٌ في شكل ورقةٍ رسمية، ومطالب مشروعةٌ بحدودٍ مرسومة، وانفعالٌ مُفرغٌ من إمكانيته في أن يكون حدثًا.
ما بين المواجهة والاستئذان
في عصر الاحتلالات الذكية، لم تعد السلطة بحاجة إلى قمع الاحتجاجات، يكفي أن تمنحها حق الوجود، فتضمن بذلك ألا تكون احتجاجاتٍ فعلًا. هذا هو الفارق الجوهري بين الحراك الفحماوي، الذي أدار معركته من الشارع، وبين من قرروا اليوم أن يكون الشارع ساحةً مرهونةً بإذنٍ من الجهة التي يدّعون الاحتجاج ضدها. لم يكن “الحراك الفحماوي الموحد” سؤالًا عن الجريمة فقط، بل كان سؤالًا عن النظام نفسه، عن دوره، وعن البنية السياسية التي تجعل الجريمة مُمكنةً بل ضروريةً لاستمرار شكل معين من الحكم. ولهذا كان لا بد من ضرب الحراك، لأنه لم يكن مجرد موجة عابرة، بل لحظةٌ انكشف فيها المستور، وسقطت الرواية التي تدّعي أن هناك “دولة قانون” تتعامل معنا بصفتنا مواطنين.
أما احتجاجات اليوم، فهي احتجاجات “مواطنين صالحين” يرفعون طلباتهم للجهة نفسها التي تسلّح المجرمين، وينتظرون أن يُصغى إليهم، وكأن المشكلة لم تكن يومًا أن السلطة لا تسمع، بل أن الناس لا يعرفون كيف يطلبون. هذا الفرق بين من يطالب بالعدالة وبين من يواجه الظلم، بين من يفاوض على بقائه وبين من يعلن أن وجوده غير قابلٍ للمساومة.
الاحتجاج الذي لا يهدد، يُسلّي
المظاهرة التي لا تُقلق النظام، تريحه. والخطاب الذي لا يُزعجه، يخدمه. وبينما يتم استدعاء الاحتجاجات المروّضة كي تؤدي دورها في المشهد، يبقى السؤال الحقيقي معلقًا: من يجرؤ على إفساد المسرحية؟ من يخرج عن النص، ليس لأنه يريد أن يعلو صوته فقط، بل لأنه يعرف أن اللعبة نفسها مزيفة؟ من يدرك أن مواجهة الجريمة لا تبدأ من تقديم طلبٍ للشرطة، بل من فضح الجريمة السياسية التي تجعل الجريمة اليومية جزءًا من المشهد؟
في النهاية، الحراك ليس شعارًا، وليس حتى مظاهرة. هو لحظةٌ سياسيةٌ تُحرّك الأسئلة الصحيحة، وليس مجرد غضبٍ عابر يُصرّف بحدودٍ آمنة. وما بين الحراك والاحتجاج، هناك فرقٌ لا تقيسه أعداد المشاركين، بل يقيسه السؤال الأهم: هل كان هذا الفعل مُخيفًا للسلطة، أم كان مجرد صوتٍ في الفراغ؟
الحراك مش مجرد عدد مشاركين، بل كيف بتنظم المواجهة وكيف بتحافظ على قوتك بدون ما تتروض سياسياً.




